أطعمة أهل البادية

نسخة قراءة رقمية مع صورة المصدر الأصلية

بقلم: محمد بن عبدالله الحمدان

أيها الإخوة القراء — بادية وحاضرة — كنت كتبت مقالة في هذه المجلة عن البادية، نُشرت في العدد الرابع لشهر ذي القعدة 1431هـ الموافق (شهر أكتوبر 2009م)، ووعدت بكتابة مقال عن أطعمة أهل البادية، وها أنا أفي بوعدي، فأقول وعمر القارئين يطول:

ملاحظة المراجع: وردت سنة 1431هـ بهذه الصورة في الأصل المطبوع، مع أن التاريخ الميلادي المطبوع هو أكتوبر 2009م؛ أُبقي النص كما نُشر دون تصحيح تحريري صامت.

هذا العنوان «أطعمة أهل البادية في شبه جزيرة العرب، وأثر ظهور الإسلام فيها» هو لبحث جيد كتبه الأستاذ الدكتور محمد ضيف الله البطاينة، من جامعة اليرموك، كلية الآداب في الأردن، ونُشر في مجلة العرب، جـ7 و8، السنة 33، محرم وصفر 1419هـ. اقتطفت لكم منه فقرات لأهميته — حسبما يسمح به المقام — بناءً على طلب صاحب المجلة الأستاذ مبارك بن قثيان الدوسري.

البادية في معاجم اللغة العربية: خلاف الحاضرة. أنشد الأصمعي:

فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا

وسميت بادية لبروزها وظهورها. ومنازل أهل البادية — على سبيل المثال — بسيطة، تتكون من الشعر أو الوبر، تتباعد عن بعضها في الصيف، وتتدانى طلبًا للدفء في الشتاء.

قال أبو الطيب المتنبي:

ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويات الرعابيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا خرجن من الحمام مائلة أوراكهن صقلات العراقيب

وقد ذكر كاتب البحث المشار إليه أعلاه من أطعمة أهل البادية ما يلي:

الإبل

وأورد أبياتًا في ذلك لعدة شعراء، منهم: حميد بن ثور الهلالي، وطرفة بن العبد، والأعرابي النميري، وعبدالله بن قيس الرقيات.

وهذا قليل من كثير؛ فقد لا تخلو قصيدة من قصائدهم من الإشارة — في الأغلب — إلى الإبل ونحرها وتقديم لحومها طعامًا، مما قد يوهم أن لحوم الإبل كانت عند أهل البادية طعامًا راتبًا، وهو ما لم يكن؛ فالبدوي شديد الضن بإبله، لا ينحرها إلا نادرًا.

الضأن والماعز

كان الحديث عنها أظهر وأغلب. قال ذو الرمة، صاحب الدهناء:

كأن القوم عشوا لحم ضأن فهم نعجون قد مالت طلاهم

«نعجون»: ثقل القلب من أكل لحم الضأن. «مالت طلاهم»: مالت أعناقهم.

الخيل

الخيل في البادية قليل جدًا؛ لأن البادية لا توافقها. ومع ذلك نسمع عن حاتم الطائي أنه ذبح فرسه وأطعم الناس بلحمها.

قلت: وفي دول الاتحاد السوفيتي السابقة — قازاخستان وجاراتها — يأكلون لحم الخيل ويشربون ألبانها، وكذلك في المغرب «الشقيق».

الجراد

مشهور عندهم، وهو مشهور عند الحاضرة أيضًا؛ يأكلونه ويشربون مرقته، وأصبح بعضهم الآن بعد طبخه يبيسه ثم يضعه في الثلاجة ليأكل منه مدة طويلة.

قلت: من أمثالنا العامية: «الجرادة من جراد، والخطية من ركاب»، «جراد يأكل حبة ميتة»، «إلى جا الجراد فانثر الدواء، وإلى جا الفقع فصر الدواء».

الضب

يقال للأنثى ضبة. قال أبو محجن الثقفي:

وهل أكلن ضبًا بأسفل تلعةٍ وعرفن أكماع المديد خواني أقوم إلى وقت الصلاة وريحه بكفي لم أغسلها بشنان

وقال أعرابي:

وتطعم ضيفك الجوعان ضبًا وتأكل دونه تمرًا بزيد

وقالوا إن الضب يحب التمر، ولذلك استخدموا التمر في صيده.

قال ابن دعمي العجلي:

سوى أنكم ذريتم فحريتم على ذربة، والضب يحتل بالتمر

وقال أبو الهندي:

ومكن الضباب طعام العريب ولا تشتهيه نفوس العجم

الأرنب

جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها ووضعها بين يديه. وتؤكل الأرنب من قبل البعض «بغرضها» — أي بما أكلته — لأنها لا تأكل إلا طيبًا، ويقولون: «ملوخية».

أغذية أخرى

القنفذ: وعدّه بعضهم من الأغذية العلاجية.

الوبر واليربوع: الوبر كالسنور، وكانا مما يأكل أهل البادية.

الضبع: يأكلونه، وكانت في أيام الشافعي تباع في مكة، ذكره ابن قدامة في «المغني».

لحوم الصيد: بقر الوحش، وتيرانه، والغزلان، والظباء، وطيور القطا، والحبارى، والحمام، والعصافير والدخل، والحجل. وذكر الباحث أشعارًا كثيرة في هذا.

ثم ذكر في الحلقة الثانية من مقاله تحضير اللحم وإعداده للأكل: المشوي، والمحنوذ، والمطبوخ.

الحليب

حليب الإبل والضأن والماعز «الصبوح والغبوق»، واتخذوا اللبن الرائب من الحليب، وصيّروا الزبدة سمنًا، وعملوا اللبن الذي لا زبد فيه أقطًا، وادخروا السمن والأقط لاستعمالهما في الأكل عند الحاجة.

التمر

هو من محاصيل أهل الحواضر الزراعية، ويحصل عليه أهل البادية من الحواضر المجاورة لهم، وكان البيت الذي يمون اللبن والتمر في أنعم حياة وأرغد عيش.

قيل إن الزبرقان بن بدر قال للحطيئة لما علم أنه يريد العراق فرارًا من الجدب وطلبًا للعيش: «هل لك في لبن وتمرة؟» فأجاب: «ذلك العيش».

واشترى أعرابي تمرًا وترك الدقيق — مع استوائهما في السعر — فلما سئل الأعرابي عن ذلك قال: «إن في التمر أُدمة وزيادة حلاوة». وقد يأكل أهل البادية التمر مأدومًا بالزبد.

الخبز والثريد

الخبز، قال شاعرهم:

ألا ليت لي خبزًا تسربل رائبًا وخيلًا من البرني فرسانها الزبد

والثريد، قالت ابنة لبيد بن ربيعة:

أبا وهب جزاك الله خيرًا نحرناها وأطعمنا الثريدا

والمضيرة، وهي مرقة تعمل باللبن الصير، أي الحامض، وقد تعمل من اللحم مطبوخًا باللبن الحامض.

الحيس والخزيرة والعسل

الحيس: التمر مخلوط بالسمن والأقط، ومعجون عجنًا شديدًا، وربما أضافوا له السويق.

والخزيرة: وهي شبه العصيدة، وهي مرقة تتخذ من غلالة النخالة.

والعسل: ويبدو أنهم أكلوا العسل ممزوجًا بالحليب.

والبقل، ومنه الكراث. والكمأة «الفقع».

أدوات الطبخ وآداب الأكل

ثم ذكر الباحث أدوات الطبخ: الجفنة، والقدر، ثم أتى على آداب الأكل، وأثر الإسلام في حياة أهل البادية.

قلت: وقد تبدل الحال الآن عند البادية، واختلفت أطعمتهم وطرق معيشتهم تبدلًا كبيرًا؛ فأصبح لدى بعضهم البيوت الجاهزة يتنقلون بها، ولديهم الكهرباء والثلاجات على الغاز، ثم على الطاقة الشمسية الآن، والمراوح والمكيفات والتلفزيونات والفضائيات.

ورأيت أعرابًا يتابعون الأسهم في الصحراء، ولولا خشية الإطالة لفصلت في ذلك. وقد أصبح بعض البدو أصحاب نخيل وزروع، بل بنوا بعض الحصن، بل أصبح التمر بأنواعه الجيدة يأتي من الصمان وغيرها.

بل إن بعضهم — الآن — يطبخون أطعمتهم من المفاطيح والرز عند المطابخ التي تتولاها العمالة «غير النظيفة» وتحوسها، وتصب عليها الزيوت الرديئة المضرة، وقد تدخل «القعدان» مع المفاطيح «الغنيمة».

حتى إن بعضهم يتفق مع المطابخ في المدن لطبخ أكل منوع منظم يتكون غالبًا من المفاطيح والرز والجريش والمرقوق والسمك والربيان «القصيمي» «الشريمز»، وأنواع الحلويات.. إلخ.

عرض المصدر الأصلي

صورة المقال كما نُشر

صورة مقال أطعمة أهل البادية في مجلة البادية