صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات
انتقد مدير تحرير سابق لإحدى صحفنا اليومية صحافة الأفراد واتهمها بما لم يكن كله فيها، وزعم أشياء إن انطبق بعضها على قلة منها فإن الأكثرية براء منها. وقد أثارني، كقارئ، رأيه ذلك وعقبت على كلمته تلك، ولكنه لم ينشرها شأنه شأن بعض المسؤولين في صحفنا؛ حيث لا يتكرمون ويتلطفون ويتعطفون بنشر ما يخالف آراءهم الكريمة المنزهة عن كل عيب.
وتذكرت الموضوع عندما أثير هذه الأيام بين الدكتور عبدالله مناع والأستاذ صالح محمد جمال فأردت إشراك القراء في رأيي المتواضع.
وها هو نص مقالي ذاك: أكتب هذه الكلمة وظني أنها لن ترى النور، ولكن أقول ما أعتقد وكفى. دار نقاش ساخن هذه الأيام بين بعض الصحفيين والكتاب حول صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات ونظام المؤسسات الصحفية، اشترك فيه الأساتذة إبراهيم حافظ وعبدالله جفري وعلي شبكشي وصالح محمد جمال. ولا أريد في هذه الكلمة القصيرة أن أناقش كل القضايا التي أثيرت، ولكن مجرد مشاركة متواضعة وباختصار شديد.
إن صحافتنا في عهد الأفراد كانت لها محاسن ومساوئ تقل وتكثر حسب الظروف وباختلاف الزمان والمكان.
فرغم قلة إمكانيات صحف الأفراد فإنها تعالج مشاكل كثيرة بجرأة وإخلاص، وفيها أدب وعلم وتسلية وفائدة. فلنذكر حراء ثم الندوة والمدينة والبلاد السعودية واليمامة وأخبار الظهران والقصيم وقريش والرائد ومجلة الجزيرة وغيرها، وكيف كانت وماذا كانت تنشره وتطرقه؛ فالعبرة بالكيف لا بالكم. ولا ننسى أن جريدة المدينة إبان صدورها يومية في عهد شباب آل حافظ كانت قوية وعظيمة؛ فعدد يوم الجمعة في ست عشرة صفحة مليئة بما لذ وطاب لكتاب كبار لا أرى منهم الآن إلا القليل.
ولا أنكر أن لصحافة الأفراد مساوئ؛ فإحداها خصصت صفحة أو صفحتين لصور وأخبار زواج أحد أقارب صاحبها، إضافة إلى النفاق والتملق والمجاملات الزائدة عن اللزوم، وهذا المرض ما زال موجوداً وبكثرة، شفا الله صحافتنا منه.
أما صحافة المؤسسات فقد كثرت وقلت بركتها، والمثل العامي يقول: إلى كثرت دبرت، أي ساءت حالها وهزلت. وهي نسخة واحدة لبعضها إلا ما ندر، وليس لها مراسلون في الداخل ولا في الخارج إلا ما قل، ولا توزع إلا قليلاً، ولا تخرج خارج الحدود بل لا تصل إلى مناطق المملكة، وإن وصل بعضها فبعد أيام.
ولا أنكر أن لبعض الظروف دخلاً في ضعف مادة صحافتنا وأسلوبها، وفي صحافتنا الآن مبالغات وادعاءات تثير الضحك حول نفسها وغيرها، لا تليق لأنها لا تصدق، مثل موضة «النحن»، ورغم الانتشار والنفاذ بسرعة، والسبق الصحفي والنصر الصحفي والانفراد وتقليد الصحف الأخرى في «نحن» وغير ذلك؛ كل هذا حول نفسها، أما حول غيرها فلا داعي لذكره.
ونظام المؤسسات الصحفية به عيوب كثيرة ليس هذا مجال مناقشتها، ولا أريد أن أطيل، لكن بقي شيء واحد مهم؛ وهو قول مدير تحرير تلك الصحيفة: «بينما في فترة الصحافة الفردية هل كان هناك غير واحد يملك الصحيفة كاملة ويتسلط بمزاجه ورغباته حتى على آراء الكتاب فيقرب من يريد ويستبعد من لا يعجبه؟».
حسناً، هذا كان يحصل هناك، ولكن يا ترى ما هو الوضع الآن؟ أهو غير ذلك في صحافة المؤسسات؟ أبداً. نفس الشيء يطبق الآن بحذافيره وقصاميله وشروره وسيئاته؛ فرئيس التحرير أو مدير التحرير هو المسيطر والمهيمن والمتسلط على الجريدة، يغير ويبدل، ينشر للكبار والمهمين والبارزين والمشهورين والأصدقاء والأقربين على مزاجه ورغبته وشهوته وهواه، مع الاعتذار لمن ليس كذلك.
فمدير عام المؤسسة في الشؤون الإدارية ولا دخل له في التحرير، والأعضاء المظلومون كل واحد في تجارته أو وظيفته ليس له من الأمر شيء، وأعضاء مجلس الإدارة يجتمعون ويحضرون، أو بعضهم على الأصح، اجتماعات لبحث موضوعات مالية أو وظيفية ولا يدرون شيئاً عما يجري في التحرير. إذن فالمسؤول عن التحرير هو المهيمن والمسيطر وهو كل شيء. هل يستطيع أحد إنكار هذا؟
وبعد، فهذه كلمة كتبتها منذ أمد ولا زال رأيي فيها كما هو، ما عدا وجود الدارسين في الخارج تسميهم بعضها مراسلين لها ومندوبين.
محمد بن عبدالله الحمدان — مكتبة قيس، الرياض، البير
صورة القصاصة الأصلية
